الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

221

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خواطر تشعره بأنه أعظم من غيره فلا يرضى بمساواته بله متابعته ، وتقدم في تفسير قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ في سورة البقرة [ 34 ] . والمعنى : ما يحملهم على المجادلة في آيات اللّه إلا الكبر على الذي جاءهم بها وليست مجادلتهم لدليل لاح لهم . وقد أثبت لهم الكبر الباعث على المجادلة بطريق القصر لينفى أن يكون داعيهم إلى المجادلة شيء آخر غير الكبر على وجه مؤكد ، فإن القصر تأكيد على تأكيد لما يتضمنه من إثبات الشيء بوجه مخصوص مؤكّد ، ومن نفي ما عداه فتضمن جملتين . وجملة ما هُمْ بِبالِغِيهِ يجوز أن تكون معترضة ، ويجوز أن تكون في موضع الصفة ل كِبْرٌ . وحقيقة البلوغ : الوصول ، قال تعالى : إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [ النحل : 7 ] ويطلق على نوال الشيء وتحصيله مجازا مرسلا كما في قوله تعالى : ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ [ سبأ : 45 ] وهو هنا محمول على المعنى المجازي لا محالة ، أي ما هم ببالغي الكبر . وإذ قد كان الكبر مثبتا حصوله في نفوسهم إثباتا مؤكدا بقوله : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ، تعيّن أن نفي بلوغهم الكبر منصرف إلى حالات الكبر : فإما أن يراد نفي أهليتهم للكبر إذ هم أقل من أن يكون لهم الكبر كقوله تعالى : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] أي لا عزة حقا لهم ، فالمعنى هنا : كبر زيف ، وإما أن يراد نفي نوالهم شيئا من آثار كبرهم مثل تحقير الذين يتكبرون عليهم مثل احتقار المتكبر عليهم ومخالفتهم إياهم فيما يدعونهم إليه فضلا عن الانتظام في سلك اتباعهم ، وإذلالهم ، وإفحام حجتهم ، فالمعنى : ما هم ببالغين مرادهم الذي يأملونه منك في نفوسهم الدالة عليه أقوالهم مثل قولهم : نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [ الطور : 30 ] وقولهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] ونحو ذلك من أقوالهم الكاشفة لآمالهم . فتنكير : كِبْرٌ للتعظيم ، أي كبر شديد بتعدد أنواعه ، وتمكنه من نفوسهم ، فالضمير البارز في بِبالِغِيهِ عائد إلى الكبر على وجه المجاز بعلاقة السببية أو المسببية ، والداعي إلى هذا المجاز طلب الإيجاز لأن تعليق نفي البلوغ باسم ذات الكبر يشمل جميع الأحوال التي يثيرها الكبر ، وهذا من مقاصد إسناد الأحكام إلى الذوات إن لم تقم قرينة على إرادة حالة مخصوصة ، كما في قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [ الزخرف : 32 ] أي